الشيخ محمد رشيد رضا

104

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه عنه بقوله في أول خطبة خطب بها الناس عقب مبايعته : أما بعد فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإذا استقمت فأعينونى وإذا زغت فقوموني ، واشتهر عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ( رض ) أنه قال على المنبر من رأى منكم في عوجا فليقومه . الخ وروي عن الخليفة الثالث . عثمان « رض » أنه قال على المنبر في أيام الفتنة : أمري لامركم تبع . وبعد علي والحسن عليهما السّلام تحول أمر الاسلام من خلافة نبوة إلى ملك مصداقا للحديث الصحيح « الخلافة بعدى في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك » رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث سفينة . وقد دعم بنو أمية ملكهم بالعصبية فلم تغن عنهم حين ظهر فيهم الفسق فنفر منهم معظم الأمة لغلبة الصلاح فيها فسهل انتزاع الملك منهم بسرعة . وليس التطويل في هذه المسألة من موضوعنا هنا فحسبنا إيضاح ما ورد في التفسير المأثور عن السلف في الآية والتذكير بأن الأمم الأخرى قد استفادت من هداية الاسلام في هذا الامر - الذي ترك المسلمون هداية دينهم فيه - فلم يعد أمر صلاحها وفسادها بأيدي ملوكها ورؤساء حكوماتها وحدهم بل في أيدي نوابها الذين تختارهم لمراقبة الحكومة والسيطرة عليها ، على أن الوزراء كثيرا ما يغشون جمهور نواب الأمة ويستعينون ببعضهم على بعض وليس لفظ الظالمين في الآية خاصا بالملوك والامراء وتعاونهم مع عمالهم على أعمالهم بل هو عام يشمل ظالمي أنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاكله في أخلاقه واعماله ويتناصرون على من يخالفهم فيها وإن وافقهم في غيرها من الروابط والجوامع الأخرى حتى رابطة الدين والجنس ، فان كل جامعة بين الناس لا يؤيدها العمل تضعف حتى تكون صورية أو لفظية ، ولذلك نرى الطامحين من العلماء الأقوياء إلى السيادة على الجهلاء الضعفاء يجدون في السعي قبل كل شيء إلى إفساد تربيتهم وتعليمهم ما يضعف كل الروابط العامة التي تربط بعضهم ببعض أو يحلها ويذهب بها فلا يكون للافراد منهم هم إلا في أشخاصهم وتمتيعها باللذات والشهوات وحينئذ يتولون من يوصلهم إليها ولو بمساعدته على أمتهم إذا كان يفيض عليهم من بعض ما ينتزعه منها بمؤازرتهم ، ولو آزروها عليهم لكان خيرا لهم . فالمدار في الولاية بين الناس على المشاكلة النفسية التي رها الكسب والعمل لا الصورية أو اللفظية التي